الدرس التركي..
المختار أعويدي
قدم اليوم
ثلاث وزراء من حكومة رجب طيب أردوغان استقالاتهم، على خلفية تورط أبنائهم في أعمال
فساد. وتم تبرير الإستقالات من طرف الوزراء المعنيين، بضمان محاكمة عادلة ونزيهة
لأبنائهم، وعدم التأثير في سير جهاز القضاء في هذه النازلة، حتى تأخذ العدالة
مجراها الصحيح.!!
وفي
الحقيقة لا عجب في ذلك بالنسبة لحكومة رفعت أجر المواطن التركي إلى خمسة أضعاف في
ظرف عشر سنوات ونيف فقط. ولحكومة قلمت أظافر الديكتاتورية العسكرية، وأقرت نموذجا
متميزا للديموقراطية في تركيا الإنقلابات العسكرية سابقا. ولحكومة جعلت اقتصاد
البلاد الأقوى في محيطه الجهوي، بل وجعلته يتسلق الرتب العالمية ويزاحم القوى
الكبرى. ولحكومة ارتقت بالتعليم إلى مستويات راقية، وجعلته يوظف التكنلوجيات
الجديدة في مختلف مستويات ومراحل التمدرس. باختصار بالنسبة لحكومة جعلت المواطن
التركي وتعليمه وتشغيله ورفاهيته هي أهداف عملها ووجودها.
إذن لا
غرابة لحكومة كهذه، أن لا تسمح بالفساد والإفساد بل وأن تضرب على يده بقوة، حتى لو
كان صادرا عن أشخاص وأفراد ينتمون إلى الجهاز الماسك بزمام القرار!!
وأنا أسمع لخبر تقديم استقالات الوزراء الأتراك اليوم، قفز إلى ذهني حدث وقع قبل ثلاث سنوات خلت، قبالة قبة البرلمان في شارع محمد الخامس بالرباط. كان بطله آنذاك وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة خالد الناصري وابنه، هذا الأخير الذي سبب طيشه في فوضى في حركة المروربالمكان المذكور، ومشاذاة مع أحد المواطنين السائقين وهو طبيب، ميزها السب والشتم، توجت باعتداء أمام مرأى الجميع بآلة حادة على الطبيب المذكور، مما جعله ينزف دما. وهو ما دفع المارة إلى التدخل لإنقاذ الضحية، والإمساك بالمعتدي، لكن هذا الأخير بدأ يصرخ: " أنا ابن الوزير ، أنا ابن الوزير"!!
وأنا أسمع لخبر تقديم استقالات الوزراء الأتراك اليوم، قفز إلى ذهني حدث وقع قبل ثلاث سنوات خلت، قبالة قبة البرلمان في شارع محمد الخامس بالرباط. كان بطله آنذاك وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة خالد الناصري وابنه، هذا الأخير الذي سبب طيشه في فوضى في حركة المروربالمكان المذكور، ومشاذاة مع أحد المواطنين السائقين وهو طبيب، ميزها السب والشتم، توجت باعتداء أمام مرأى الجميع بآلة حادة على الطبيب المذكور، مما جعله ينزف دما. وهو ما دفع المارة إلى التدخل لإنقاذ الضحية، والإمساك بالمعتدي، لكن هذا الأخير بدأ يصرخ: " أنا ابن الوزير ، أنا ابن الوزير"!!
حسم الأمر في
النهاية بتدخل الشرطي المرابط قبالة بوابة البرلمان، الذي أمسك بالمعتدي ووضع
الأصفاد في يديه وشده إلى السياج الحديدي المحيط بمقر البرلمان للحيلولة دون
فراره، في انتظار وصول دورية الشرطة. لكن قبل وصول هذه الأخيرة فوجئ المواطنون
الحاضرون بوصول أب المعتدي شخصيا وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة على وجه
السرعة إلى المكان، حيث أثار بدوره زوبعة أخرى، مكملا بذلك فصول المهزلة التي
أثارها ابنه، حيث قام بالصراج في وجه الشرطي وتوبيخه، وتهديده بقطع رزقه، وأمره
بإطلاق سراح ابنه، وهو ما تحقق فعلا، أمام غضب واستياء واستهجان المواطنين
الحاضرين الذين، أشبعوا الوزير بوابل من السب والصفير والشتم (أنظر الفيديو) ولولا
هرولة وركض الوزير إلى سيارته للإنسحاب من المكان لتطورت الأمور إلى الأسوأ.
إن التأمل في النازلتين أعلاه (التركية والمغربية) يكشف بجلاء طبيعة الفوارق الكبيرة بين الأنظمة الديموقراطية التي تحترم نفسها، وتحترم مواطنيها، وتحترم العقد القائم بينهما، وتعمل على تقدم شعوبها ورخائها ورفاهيتها وحماية جميع حقوقها، وبين الأنظمة المتسلطة المتمكنة من رقاب مواطنيها، تشبعهم فقرا وقهرا وقمعا وتخلفا وتسلطا!! ولعمري أنه في ظل هذه الأنظمة الأخيرة تتساوي الحكومات في قهر مواطنيها وقمعهم وتفقيرهم، مهما كانت مشاربها الأيديلوجية والتنظيمية: يمينية كانت أم محافظة أم اشتراكية أم إسلامية. ويقدم وطننا العزيز مثالا صارخا سيئا في هذا المجال. فقد تعاقبت على المسؤولية الحكومية فيه، جميع ألوان الطيف الإيديلوجي (يمين ـ يسار ـ إسلاميين ـ تقنوقراط..)، التي ظلت تتبادل مواقع أدوار الخطابة الجوفاء والتهريج غير المجدي (بين ما يعتقد أنها معارضة وما يعتقد أنها حكومة)، لكن المواطن ظل يجني نفس النتائج المعلومة المعهودة المعروفة: من جهة تفقير وتخلف وغلاء وتدهور اجتماعي، ومن جهة أخر قمع وتكسير للعظام، وسلب للحريات والكرامة، وتسلط وتجبر..
إن التأمل في النازلتين أعلاه (التركية والمغربية) يكشف بجلاء طبيعة الفوارق الكبيرة بين الأنظمة الديموقراطية التي تحترم نفسها، وتحترم مواطنيها، وتحترم العقد القائم بينهما، وتعمل على تقدم شعوبها ورخائها ورفاهيتها وحماية جميع حقوقها، وبين الأنظمة المتسلطة المتمكنة من رقاب مواطنيها، تشبعهم فقرا وقهرا وقمعا وتخلفا وتسلطا!! ولعمري أنه في ظل هذه الأنظمة الأخيرة تتساوي الحكومات في قهر مواطنيها وقمعهم وتفقيرهم، مهما كانت مشاربها الأيديلوجية والتنظيمية: يمينية كانت أم محافظة أم اشتراكية أم إسلامية. ويقدم وطننا العزيز مثالا صارخا سيئا في هذا المجال. فقد تعاقبت على المسؤولية الحكومية فيه، جميع ألوان الطيف الإيديلوجي (يمين ـ يسار ـ إسلاميين ـ تقنوقراط..)، التي ظلت تتبادل مواقع أدوار الخطابة الجوفاء والتهريج غير المجدي (بين ما يعتقد أنها معارضة وما يعتقد أنها حكومة)، لكن المواطن ظل يجني نفس النتائج المعلومة المعهودة المعروفة: من جهة تفقير وتخلف وغلاء وتدهور اجتماعي، ومن جهة أخر قمع وتكسير للعظام، وسلب للحريات والكرامة، وتسلط وتجبر..
وقد تنافس
المتنافسون منهم فقط في أبتكار أدوات إسكات المواطن وإبقائه تحت الضغط، والحيلولة
دون تمرده ورفع صوته ضد الظلم والقمع. وأيضا العمل ما أمكن على ضمان التوازنات
المالية لسياسات عرجاء، يكون فيها المواطن آخر مواضع الإهتمام، ويكون إرضاء البنوك
الأجنبية والمقرضين عين الإهتمام وصلبه.
إن تورط
أبناء الكثير من المسؤولين في مختلف أشكال الفساد والتسلط والقفز فوق القوانين في
وطننا العزيز، قد أصبح قاعدة وليس استثناء. وهو يمثل وجها وتجليا لطبيعة الحكومات
وطبيعة المسؤوليين الذين يسوسون هذا البلد، وأصبح يتساوى في ذلك أبناء كبار
المسؤولين من وزراء وبرلمانيين وضباط وغيرهم، وأبناء صغار المسؤولين من رؤساء
جماعات ومصالح وغيرهم. وأصبحنا نرى ونسمع كيف يرتكبون "الكبائر" من دون
أن تأخذ في حقهم المساطر القانونية مجراها ومسراها. ومن دون أن يتزحزح آباؤهم عن
كراسي المسؤولية التي يمسكون بها بالنواجد والأسنان ـ كما في الدرس التركي ـ ولا
عجب، فالكثير منهم قد جاء إلى مواقع هذه المسؤولية بطرق غير سليمة، فكيف له أن
يتخلى عنها بأريحية وإرادة ونكران ذات؟؟!!
إن ثقافة
الإستقالة غير حاضرة بالمرة في قاموس وزرائنا ومسؤولينا في مختلف مواقع المسؤولية،
مهما كانت فضائحهم وفضائح أبنائهم مدوية ومجلجلة، لا لشيء سوى لأنهم جاؤوا إلى
مواقع المسؤولية، لا لأجل خدمة مواطنيهم والقيام بترقية أوضاعهم المعيشية
والحقوقية والحياتية عامة، ولكن لأجل خدمة تضخيم وحماية مصالحهم وأموالهم ومصالح
أبنائهم وأفراد عائلاتهم والتمكين لهم. وإن مغادرة موقع المسؤولية يعني بالنسبة
لهم فقدان هذه المنافع والمصالح والمآرب. ولذلك لم يحصل على ـ حد علمي ـ أن استقال
وزير أو مسؤول، كبر شأنه أم صغر، سواء في التاريخ القريب أو البعيد لوطننا، بسبب
زلة ارتكبها إبنه، أو عثرة عرفها القطاع الذي يشرف عليه، اللهم من انسحاب حزب
الإستقلال ووزرائه مؤخرا من حكومة بنكيران لأسباب ديماغوجية سياسوية، بل وأن أحد
وزرائه لم ينضبط حتى لقار حزبه على علاته، وفضل أن يطرد من الحزب على أن يتزحزح عن
كرسي وزارته!!! ولو افترضنا جدلا أن وزراءنا ومسؤونا تجرؤوا يوما على الإستقالة
لسبب من الأسباب السابق ذكرها، فلنتأكد أن الكثير من مواقع المسؤولية ستبقى شاغرة
فارغة نتيجة ذلك، بالنظر إلى حجم المصائب والتجاوزات التي يثيرها أبناء المسؤولين،
وضخامة الأعطاب التي تستشري في القطاعات التي يشرفون عليها!!!
ما أحوج
وزراءنا ومسؤولينا إلى استيعاب الدرس التركي وتمثله والإقتداء به!!!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق