الجمعة، 4 مايو 2018

عندما يغتصب المرض الخبيث براءة الأطفال في غفلة من الوطن..




عندما يغتصب المرض الخبيث براءة الأطفال
 في غفلة من الوطن..


المختار أعويدي
      البارحة فاطمة أزهريو، واليوم آمال مزوزي، وغدا آخرون وأخريات من أطفالنا الأبرياء، وبراعمنا الأنقياء، وصغارنا الأشقياء، ينهش المرض الخبيث أجسادهم الغضة، ويفتك بأرواحهم البريئة. نتألم ونتحسر، وقد نبكي ونصرخ، ونحتج ونتذمر لأجلهم، لكن من دون أن نقدم لهم البلسم الشافي، أو الدواء الوافي، أو الإهتمام الكافي، أو الحنان الصافي. وتستمر آلة المرض الخبيث عملها، وتستمر قافلة ضحاياه في الرحيل عنا، مخلفة وراءها الآلام والأحزان والأوجاع، وغصص عصية على الفهم والهضم، وأسئلة حارقة جارحة، تحرجنا وتخجلنا، وتحتقر فينا إنسانيتنا المتآكلة، وآدميتنا المتداعية..                                                                    
      فإلى متى، يظل المرض الخبيث يسرق منا فلذات أكبادنا خلسة، بعدما يُشبعهم آلاما وأحزانا وأوجاعا، وبعدما يغتصب براءتهم الشقية، وينزع ابتسامتهم البهية، ويجهز على أجسادهم الغضة الطرية؟                                                                  
      إلى متى نظل نتفرج على مأساتهم التي هي مأساتنا، ونتركهم في مواجهة أقدارهم لوحدهم، فقط صحبة عائلاتهم المكلومة، ونكتفي بعد إجهاز المرض عليهم، وبعد فوات الأوان بمواراتهم الثرى، تحت وقع دموعنا وحسرتنا، وربما نفاقنا وكذبنا. من دون أن نفعل لأجلهم شيئا يستحق الذكر. فنتبادل فيما بيننا العزاء والعويل والصراخ والتنديد والغضب، وربما النفاق والرياء الذي لا يقدم ولا يؤخر شيئا..؟؟               
      إلى متى، كلما تسلط المرض الخبيث على واحد من براعمنا الصغيرة، لا تجد أسرته المنكوبة من رحيم بعد الله، سوى طرق باب المحسنين والجمعيات. فتصبح محنتها مضاعفة. من جهة، محنة المرض وآلامه وأوجاعه. ومن جهة أخرى محنة "التسول" (ليس الأمر هنا قدحاً بقدر ما هو ألماً) التي تـُلحق بكرامة المرء أعطابا وجروحا لا تندمل. وكأني بهذا الوطن العزيز، لا يتوفر على وزارة تدعى وزارة الصحة، ولا على شبكة مستشفيات ومراكز صحية، يمكنها أن تسعف المريض وتحفظ كرامته وكبرياءه؟؟                                                                      
      فأي وطن هذا، الذي لا يوفر الأمن الصحي لمواطنيه؟؟ وأي وطن هذا الذي يبني المستشفيات، ويقيم المراكز الصحية، ويُكون الأطباء، لكنه لا يقدم الخدمات الصحية الفعلية لأبنائه، سوى بعض الخدمات المحدودة المعدودة. لكن متى ما ابتلاهم المرض الخبيث، يتركهم عرضة لقدرهم المشؤوم، ومصيرهم المعلوم المحتوم. بحجة ضخامة مصاريف العلاج، وعدم توفر المريض على التغطية الصحية، وضعف ميزانية الوزارة ، وما إلى ذلك من المبررات الواهية..؟؟
      أي وطن هذا، الذي على قلة وعلة الخدمات الصحية البئيسة، التي يقدمها لمواطنيه المرضى، يُنهكهم بالإجراءات التعجيزية والمساطر المعقدة (راميد على سبيل المثال لا الحصر) التي لا تقدم لهم سوى المزيد من البؤس والألم والحرمان؟؟                
      أي وطن هذا، الذي قد يتطوع فيه الوزير أو الحاكم، من ماله الخاص لتسديد فاتورة علاج أحد المرضى المعوزين، لكنه لا يعمل من موقعه كمسؤول على رفع هذا الحرج عن مواطنيه، بمأسسة وتعميم التغطية الصحية. وكأني بالدولة بقضها وقضيضها ومؤسساتها ومواردها البشرية الصحية لا تستطيع فعل ذلك؟؟             
      إنني أشعر بالخزي الخجل حينما أسمع أن مسؤولا ما، تطوع لتغطية مصاريف علاج فنان أو رياضي أو مثقف.. من ماله الخاص. أما المواطن المعوز العادي فليذهب إلى الجحيم. والحال، أنه كان ينبغي أن يتدخل لتعميم التغطية الصحية، وجعلها حقا مكفولا معمما على الشريف والضعيف، لا يستوجب لا تدخلات، ولا وساطات، ولا صدقات تهين المريض وتنتهك كرامته.
      لماذا نصر على إهانة المواطن، بدفعه إلى مد يده للمساعدات والتبرعات، بدل ضمان كرامته، بتمتيعه بحقه في الصحة، الذي هو حق منصوص عليه، إلى جانب حقوق أخرى، في مختلف المواثيق الدولية والقوانين الوطنية وكذا منطوق دستور البلاد؟؟           
      أي وطن هذا، الذي يركز معظم مراكزه الإستشفائية المتوفرة على قدر محترم من الإمكانيات، في حيز جغرافي محدد من البلاد (شمال غرب المغرب)، وكأني بالقاطنين خارج هذا الحيز، هم مواطنون من الدرجة الثانية، عليهم إذا نابتهم نائبة المرض الخبيث، أن يتجشموا بالإضافة إلى أعبائه وآلامه، عناء السفر الطويل، ومصاريف النقل، والإيواء، والدواء التي لا تنتهي؟؟
      أي وطن هذا، الذي لا يستطيع فيه المواطن المعوز، دفع أهوال المرض وأعبائه عن أبنائه وأفراد عائلته، بينما يتمتع فيه الأثرياء وذوي القوة والجاه من سياسيينا، وبرلمانيينا، وحكامنا، وأولياء أمورنا، بأرقى الخدمات الصحية داخل وخارج الوطن؟؟
      من المسؤول عن فقرنا، وبؤسنا، وعوزنا، وحاجتنا التي لا تترك لنا مجالا حتى لتسديد مصاريف علاجنا وشفائنا، وبالتالي حفظ كرامتنا؟؟ مَن المسؤول عن بطالتنا وضعفنا وقصر ذات يدنا؟؟ أليست الدولة مسؤولة بمنطوق الدستور والقوانين الجاري بها العمل، مسؤولية قانونية وأخلاقية وإنسانية عن حماية مواطنيها وتوفير العيش الكريم لهم، الذي يضمن أمنهم الصحي والغذائي والمائي والتعليمي..؟؟       
      لماذا كل هذا التهافت على مواقع السلطة وزمام القرار، إذا كنا لا  نتدافع ولا نتنافس من أجل خدمة هذا الوطن ومجموع مواطنيه، وتوفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم لهم. مع ما يعنيه ذلك من حفاظ قبل كل شيء على كرامتهم وكبريائهم..        
      يبدو أن مسؤولينا، والقائمين على أمورنا، لا تهمهم صحة المواطن، وتعليمه، وتشغيله، وعيشه الكريم. أكثر مما تهمهم التوازنات المالية، واستخلاص الضرائب والعائدات المختلفة. لا يهمهم أن تنجب النساء الحوامل على قارعة الطريق أمام أبواب المستشفيات حيث تلقى غالبا بعضهن حتفهن. بقدرما تهمهم المناصب والمكاسب، التي يلهثون لتحصيلها والإسراع في مراكمتها. لا يهمهم أن يموت الأطفال وهم في عمر الزهور، تحت وقع آلام المرض الخبيث. بقدرما تهمهم ممارسة "التبوريدة"، والغوغائية السياسية في المؤسسات الدستورية للبلاد. لا يهمهم كيف يحصل المواطن البسيط على سلة غذائه. بقدرما تهمهم الزيادات غير المحسوبة وغير المسؤولة في أسعار مختلف المواد الإستهلاكية، التي تجعل معيشة الناس معيشة ضنكى. لا يهمهم الزيادة في الأجور الهزيلة، لمن أفنوا أعمارهم في خدمة البلاد والبلاد من بسطاء المأجورين والموظفين. بقدرما تهمهم الزيادة في أجور وتقاعد البرلمانيين والوزراء ونفخها (مع أنهم لايقضون سوى مددا محدودة في مواقع المسؤولية والقرار).                                                                      
      أكاد أجزم أن بين الدولة ومواطنيها بوْن شاسع، فهي في واد، وهُم في واد آخر، لا تكاد تسمع صرخاتهم وأنينهم وهمومهم. ولا تنزعج لمشاكلهم ومصائبهم وكوارثهم. ولا تبالي بمطالبهم وحقوقهم.                                                                    
      يكفي أن نقوم بإطلاله على مستشفياتنا، وحالها المخجل، كي تنجلي الحقيقة صارخة فاضحة أمامنا، ويتمظهر هذا البون الفاصل بين وطن وشعب. يكفي أن نسمع أنين مرضاها كي نعرف حجم معاناتهم ومدى غربتهم في وطنهم . إنه كابوس حقيقي يعاني منه المواطن البسيط في صمت وألم وكبرياء.                                        
      فحتى عندما تعمد فعاليات المجتمع المدني إلى تحريك المياه الراكدة - كما حدث في الريف - وقيامها بمطالبة القوى الإستعمارية السابقة، المسؤولة عن نزيف موتى السرطان، الناتج عن حروبها السابقة الظالمة. التي استخدمت فيها أبشع الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا. والتي ستظل تأثيراتها تنشر الموت بين أبناء الريف خاصة، ومجموع سكان الوطن عامة. حتى عند قيام هذه الجمعيات بمطالبة هذه القوى بتحمل مسؤولياتها التاريخية، وتقديم تعويضات عن جرائمها السابقة، ومطالبتها بتمويل بناء مراكز استشفائية انكولوجية للتخفيف من تداعيات جرائمها المسترسلة في الزمن والمكان. تصم الدولة آذانها، ولا تحرك ساكنا، ولا تكلف نفسها عناء تزكية هذه المطالب المشروعة، وإدراجها كعناصر مفصلية أساسية في سياساتها الخارجية، ونشاطها الديبلوماسي. إما خشية من غضب الجار الشمالي، أو لامبالاة بمصير المواطنين الذين يتهددهم الموت تباعا. في الوقت الذي تلقى فيه هذه المبادرات تفاعلا وتجاوبا منقطع النظير حتى من داخل البلدان المعنية بالأمر.                                   
      ماذا قدمنا وماذا قدم وطننا العزيز للطفلة البريئة الشهيدة فاطمة أزهريو، ولأقرانها قبلها وبعدها، لإنقاذها والتخفيف من آلامها، غير اللامبالاة والإهمال والتهميش المفضي إلى الموت البطيء. ماذا قدمنا لها غير البكاء والنحيب والشجب والتنديد، وإقالة بعض المسؤولين في قطاع الصحة بمسقط رأسها، ولحظات من حصص جرائد الأخبار في التلفزات والإذاعات العمومية والخاصة؟!
      أخشى فيما أخشى أن يتكرر السيناريو ذاته مع الطفلة البريئة، آمال مزوزي التي عانت وأسرتها المكلومة في صمت وعزة نفس، وهي تصارع المرض الخبيث، الذي استهدف قطرات الحياة في جسدها الغض، استهدف دمها. لكنها اليوم تطل بعدما فاض بها الكيل، وقهرتها ذات اليد. تطل بابتسامة طفولية بريئة، ملؤها الخجل والحياء والتفاؤل والإستعطاف للقلوب الرحيمة. فهل من مجيب يا أصحاب القلوب الرحيمة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا؟؟                                           
      أرجو أن تدركوا الصغيرة آمال قبل فوات الأوان، قبل أن نعيد مرة أخرى لا قدر الله، إثارة زوبعة في فنجان، زوبعة ملؤها إنتاج وصلات البكاء والعويل والنحيب حزنا على آمال. وعبارات السخط والشجب والتنديد بهذا الوطن الذي يتنكر لأبنائه.. 
       
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر هذا المقال على المواقع التالية :

Arouit24 –

arouit.com –

rifcity –

zaiocity –

zaio24 –

zaiopress –

aljazeera-rif  -


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق