رد على رسالة متأسلم..
المختار أعويدي
تلقيت في بريدي الخاص على الفايسبوك
البارحة، شريطا بعث به أحد الأصدقاء الإفتراضيين، موضوعه تحريم اتخاذ غير المسلمين
قدوة. وكنت قبل أيام خلت قد نشرت على صفحتي هذه، مقالا تأبينيا يعدد خصال الزعيم
الراحل نيلسون مانديلا، ويشيد بنضاله وكفاحه من أجل الحرية والإنعتاق، وهو المقال
الذي لم يعجب صاحبنا الذي اعتبره اقتداء بشخص كافر، فأرسل الشريط المذكور، عساه يكون
سببا في هدايتي إلى الطريق القويم، فينال بذلك أجر الهداية. فكان ردي عليه كالتالي
:
السلام
ورحمة الله وبركاته.
الأخ
الكريم :
لست أدري لماذا اخترت أن تبعث لي بهذا
الشريط إلى بريدي الخاص، وكان الأوْلى أن تنشره على صفحتك للعموم، حتى يطلع عليه
الجميع وتعم الفائدة ويتحقق الهدف المنشود الذي تستهدف تحقيقه، أم أنك أشفقت عليّ
وتريد أن تهديني إلى الطريق القويم بعدما تاه بي الطريق واقتديت بمانديلا
"الكافر" وأشدْت بخصاله "غير الإسلامية"؟!!.. ربما استفزك
المقال الذي كتبته ونشرته، تأبينا للراحل نيلسون مانديلا، وإشادة بخصاله الوطنية
والإنسانية الرائعة، التي أجمع عليها العالم بأكمله، والتي قلّ نظيرها، أقول قلّ
نظيرها لدى مسلمي هذا الزمن الرديء، بحكامه وعلمائه ووعاظه وفقهائه.. من الذين لا
يتقنون جميعهم سوى لغة واحدة، هي لغة الثرثرة والجعجعة وإنتاج الخطاب الجاف،
والوعظ الأجوف. ولا يتقنون سوى فن رسم الحدود، ووضع السدود باسم الدين الإسلامي
والإسلام منهم براء. وإعادة استظهار واجترار وتكرار نصوص أفقدوها قيمتها ومعناها
الأصلي الأصيل، من كثرة ترديدها واستظهارها وتأويلها وعصرها، واستخراج أغرب
الفتاوى والتعاليم منها.. بشكل شوفيني عصبي يُسوِّد كل شيء ويُحرم كل شيء.
إن مانديلا إنسان عظيم شاء هؤلاء
الوعاظ المنافقين ـ أمثال صاحبنا المتحدث أعلاه ـ أم أبوا، وهو يستحق فعلا الإشادة
والإحترام، كما يستحق أن يكون قدوة تقتدى في التضحية والنضال والكفاح والسماحة
والتسامح والأخلاق والتواضع والمبادئ والتعامل الإنساني الرفيع.. وهو عكس هؤلاء
المنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون، سوى أنهم يسترزقون بما يقولون وبما
يستظهرون.. هؤلاء الذين لا يتقنون سوى فن محاصرة الناس بالويل والثبور وأسوأ
العواقب وبعذاب جهنم، وكأني بهم هم سدنتها وحراسها. هؤلاء الذين يجعلون من حياة
الناس جحيما لا يطاق بفعل أوهامهم التي يعتقدون بهتانا أنهم يستمدنوها من تعاليم
الأسلام، هؤلاء الذين يُحرمون الأنفتاح على أي إبداع أو تميز أو ثقافة أو حضارة أو
حكمة إنسانية رفيعة، علما أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "الحكمة ضالة
المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" وللحكمة هنا مدلول واسع وبليغ، هؤلاء
الذين يرتزقون بالدين بلا حياء أو خجل.
إن نضال مانديلا وكفاحه وسلوكه
وأخلاقه ـ التي يفتقر إليها الكثير الكثير من المسلمين ـ هي التي منحته كل هذا
التقدير والإحترام من جميع الناس الذين عرفوه، سوى من بعض هؤلاء المتزمتين/الكهنوت
من الذين لا زالوا يعيشون في العصر الحجري وينكرون على الناس سلوكهم وخصالهم
الرفيعة وسمعتهم وتميزهم باسم الدين، "" ولا تبخسوا الناس
أشياءهم"" (الأعراف: 75) ويريدون أن يفرضوا على الناس نفس نمط حياتهم
البئيسة البائسة بدون وجه حق!!
هل رأيت حاكما مسلما يتخلى طواعية عن
كرسي الحكم، وينذر حياته وجهده لخدمة وطنه ومواطنيه بصدق وإخلاص؟!!، وهو ما قام به
مانديلا بأريحية ونكران ذات. هل رأيت مسلما من مسلمي هذا الزمن يـُسجن من أجل
كفاحه ونضاله ظلما وعدوانا، لمدة تقارب الثلاثة عقود من الزمن، ثم بعد مغادرته
السجن يكون متسامحا مع سجانيه بطيبوبة وتسامح قل نظيرهما؟!!
هل رأيت مسلما من مسلمي آخر الزمن
يطلـّق زوجته التي يحبها، فقط لأنها خالفت المبادئ التي يناضل من أجلها، وهو ما
فعله مانديلا بعد خروجه من السجن وعلمه أن زوجته كانت متورطة في مقتل أحد مواطني
جنوب إفريقيا. هل رأيت مسلما من مسلمي آخر الزمن اجتمع له حب الناس والسلطة
والمال، لكنه مع ذلك ظل بسيطا متواضعا سمحا خجولا حتى. وهو ما تحقق في هذا الرجل
الكبير مانديلا؟!!
هل رأيت مسلما من مسلمي
هذا الزمن الرخيص، وقد انهكته الشيخوخة وثـقل سنوات السجن الطويلة، ومع ذلك لا يكف
عن التجوال والترحال في العالم أجمع من أجل خدمة القضايا الإنسانية المختلفة، وهو
ما نذر مانديلا حياته وجهده وصحته لتحقيقه؟!
سأقوم إن شاء الله باستمرار ومتى
تيسرت لي الفرصة بالإشادة بكل شخصية إنسانية أسهمت بشكل إيجابي في إغناء التراث
العالمي في مختلف المجالات والميادين، بصرف النظر عن دينها أو جنسيتها أو
انتمائها، ولا ولن ألتفت أبدا إلى مثل هذه الخزعبلات، ومثل هذا الوعظ التافه، وهذه
الخطابات البائسة. ولا إلى أصحابها ممن تقطعت بهم السبل فاحترفوا أسهل حرفة على
وجه الأرض، حرفة حفظ النصوص وإنتاج الوعظ السخيف... لا لشيء سوى لأخذ القدوة من
أصحابها، هذه القدوة التي حرّمها صاحبنا في الشريط أعلاه، بحجة أن القدوة على حد
قوله من غير المسلمين "لا تعنينا كمسلمين". يا سبحان الله!! إذا كان
الأمر كذلك فالأولى بصاحبنا أن يقوم هو أولا بالتخلص من مجموع هذه الأشياء التي
يتدجج و ينتشي باستعمالها من هاتف وسيارة وحاسوب... ما دام أن هذه المنتوجات هي
أيضا في مجملها من إبداع وإنتاج هؤلاء الغير مسلمين من نصارى ومجوس وملاحدة..!!
إن صاحبنا فعلا يأكل النعمة ويسب
الملة!! أو بالأحرى كان الأولى بهذا الواعظ الكريم أن ينفع "بعلمه" و
"وعظه" و"غيرته" على الإسلام والمسلمين هؤلاء الطغاة من
الحكام الذين ابتليت بهم بلاد المسلمين، والذين أفسدوا في الأرض وأضروا البلاد
والعباد، وأوصلوا المسلمين إلى ما هم فيه من تخلف وفقر وحروب ومصائب وكوارث لا
تتسع لها سوى أراضي المسلمين. والذين لا يهمهم من الأمر سوى الإمساك بكراسي الحكم
بالنواجد والأسنان وتوريثها لأبنائهم من بعدهم!!!
أليس العالم والواعظ الذي يخشى الله،
هو من لا يخشى في قول الحق لومة لائم؟!! أو كان الأولى أن ينفع به أقرانه من
العلماء والوعاظ الذين يُغطون على مزالق الحكام ويُبررون تسلطهم وتجبرهم وقمعهم
لشعوبهم؟؟ ألم يعطي شيخ الأزهر (أو بالأحرى شيخ الإنقلاب) أحمد الطيب في مصر،
المثال السيء على هذا الدور القذر الذي يلعبه بعض الذين يُنصبون أنفسهم أوصياء
ووعاظا على المسلمين ودينهم؟ ألم ينقلب هذا الشيخ/الشيطان لصالح حكم العسكر ضد
رئيس إسلامي منتخب ديموقراطيا حاول أن يجعل من مصر دولة إسلامية؟!!!
ألم يلعب مُفتي مصر (أو بالأحرى مُفتي
الإنقلاب) علي جمعة نفس الدور المخزي، لصالح طغمة الفساد من الإنقلابيين ضد إرادة
الشعب المصري؟! حتى إمام الحرم المكي "بقدسيته" و"جلال قدره"
لم يتورع هو الأخر في حشر أنفه في السياسة والتهجم على نظام مرسي المنتخب
ديموقرطيا وعلى حكم الإخوان المسلمين وهم الذين يمثلون التيار الإسلامي، لفائدة
طغمة الإنقلاب العسكري، الذي حصد في فترة وجيزة آلاف القتلى من شعب مصر المسلم،
وكل ذلك تناغما مع أولياء نعمته من حكام السعودية المجرمين، الذين جروا الكثير من
البلاء والويلات على دار الإسلام، والذين يرفضون أن يكون في المنطقة نظام إسلامي
حقيقي، قد يسبب لهم الحرج تجاه مواطنيهم وتجاه باقي المسلمين، وهم الذين يُحسبون
خداما للحرمين الشريفين. ألم يتواطأ علماء و وعاظ السعودية ضد المسلمين بمباركتهم
لهذا النظام الفاسد الذي أفسد البلاد والعباد؟؟ هل سمعت في المغرب واعظا أو عالماً
واحداً نبَّـه " أمير المؤمنين"، أو احتج على العفو الملكي الذي استفاد
منه المجرم الإسباني الذي استباح أعراض أبناء المسلمين في المغرب؟؟ ألم يجد صاحبنا
الواعظ أعلاه موضوعا للوعظ غير هذا الرجل الشامخ نيلسون مانديلا كي يسلط عليه علمه
وفقهه وفتواه ووعظه حتى لا يقتدي المسلمون بأخلاقه وخصاله وبميراثه الإنساني
الرائع.
بمن يريد صاحبنا ومن يواليه أن نقتدي
في هذا الزمن الرديء؟؟؟ ربما بعلي جمعة مفتي الإنقلاب في مصر!! أو بأحمد الطيب شيخ
الإنقلاب!!! أو بالسديس إمام الفاسدين من حكام السعودية؟؟ هل يريدنا أن نقتدي
بجوقة المنافقين من الذين ينتجون سيلا من خطابات الوعظ ولا ينضبطون لها بل هم أول
من يدوسها؟ هل يريدنا أن نقتدي بهؤلاء الذين يدعون الوعظ والإرشاد والذين كثرت
أعدادهم كالفطر والأشواك البرية، من الذين لا يجدون لوعظهم غير المواضيع التافهة
التي تـُتقن ترعيب الناس من نار جهنم، بينما لا يجرؤون على طرق المواضيع الحقيقية
التي ترتبط بعلاقة الحاكم بالمحكوم مثلا، أو تسلط الحاكم على المحكومين، أو الجهر
بالدعوة إلى إغلاق مواخير الفساد وحانات الخمر التي انتشرت في دار الإسلام أكثر من
انتشارها في دار الكفر.. إن أمثال هؤلاء التافهين، الذين يرعبهم الحكام ولا يرعبهم
رب العزة، يصدق فيهم قول المرحوم علي الوردي: "" لقد صار الوعظ مهنة تـُدرّ
على صاحبها الأموال، وتمنحه مركزاً اجتماعياً لا بأس به. وأخذ يَحترف مهنة الوعظ
كلّ مَنْ فشل في الحصول على مهنة أخرى. إنها مهنة سهلة على أي حال، فهي لا تحتاج
إلا إلى حفظ بعض الآيات والأحاديث، ثم ارتداء الألبسة الفضفاضة التي تملأ النظر
وتخلبه. ويُستحسن في الواعظ أن يكون ذا لحية كبيرة كثة وعمامة قوراء. ثم يأخذ بعد
ذلك بإعلان الويل والثبور على الناس، فيبكي ويستبكي، ويَخرُج الناسُ من عنده وهم
واثقون بأن الله قد رضي عنهم، وبـَنى لهم القصور الباذخة في جنة الفردوس. ويأتي
المترفون والأغنياء والحكام فيغدقون على هذا الواعظ المؤمن ما يجعله مثلهم مترفاً
سعيداً..""
إن الهرولة إلى المساجد وأداء العبادات،
وانتصاب الوعاظ على المنابر لأداء الخطب الفصيحة الرنانة، لا تعني أبداً أننا نحن
المسلمون أصفياء أنقياء، وأن غيرنا أنجاس غير أطهار، لا يستحقون أن نـقـتـدى بهم،
فالكثير منا لا يؤدي واجباته الدينية سوى نفاقا ورياء وسمعة، ولا أدل على ذلك مِن
أن صلواتنا وعباداتنا و وعظنا وإرشادنا لم ينعكس على أخلاقنا وسلوكاتنا ومعاملاتنا
المنحطة، علما أن الدين المعاملة، كما هو معروف. وإن بلاد المسلمين أكثر البلدان
التي تنحدر فيها الأخلاق إلى الحضيض، ويسود فيها التسلط والقهر والتخلف والفقر
والحروب... برغم روعة ديننا، وكثرة خيرات بلداننا التي أنعم بها الله علينا، وبرغم
طوفان البشر الذين تغص بهم مساجدنا وأماكن عبادتنا. إنه الإسلام الشفوي والتديّن
الكاذب.
وإن
الإسلام بريء من إدعاءاتنا وأوهامنا وغشنا ونفاقنا وريائنا وكل رذائلنا وقبحنا!!
ما أحوجنا أن نعيد قراءة ديننا الحنيف السمح، ونحن متجردين من نفاقنا وغشنا
وتحاملنا وأوهامنا وأحكامنا الجاهزة!!!!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق